أبي منصور الماتريدي
83
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم من الناس من يختار إحدى القراءتين على الأخرى ، فيقرأ إحداهما ويرغب عن الأخرى ، وذلك مما لا يحل ؛ لأن الأمرين جميعا قد وجدا ، وهو الجزاء والتعريف ، فجمع الله تعالى الأمرين جميعا في آية واحدة ، وفصل بين الأمرين بالإعراب ؛ فليس لأحد أن يؤثر إحدى القراءتين على الأخرى ؛ وهذا كقوله تعالى في قصة موسى - عليه السلام - لَقَدْ عَلِمْتَ ، و عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الإسراء : 102 ] ، وقد علم موسى - عليه السلام - وعلم فرعون اللعين ، فقد كان الأمران جميعا ، فجمع الله تعالى بين الأمرين جميعا في آية واحدة ؛ فلا يحل لأحد أن يقرأ بأحد الوجهين ويمتنع عن [ الوجه ] « 1 » الآخر ؛ فكذلك هذا في قوله تعالى : رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [ سبأ : 19 ] وبعد بين أسفارنا ، فمن قرأه باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا حمله على الدعاء ، ومن قرأه باعِدْ حمله على الإخبار ، وقد كان الأمران جميعا : الدعاء والإخبار ؛ فليس لأحد أن يؤثر أحدهما على الآخر ، فعلى ذلك الحكم في قوله : [ عَرَّفَ بَعْضَهُ و عَرَّفَ بَعْضَهُ ] « 2 » ، والله أعلم . وقد وصفنا تأويل قوله : الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ فيهما ما يدعو الإنسان إلى المراقبة والتيقظ . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما . في هذه الآية دلالة أن الحديث الذي أفشي كان بين زوجتين ؛ لأن قوله : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما يدل على ذلك ، فإنه كان أسر النبي - عليه السلام - عند إحداهما ، ومنعها أن تفشي إلى الأخرى فأفشت ، لكنا لا نعلم أن ذلك الحديث كان ما ذا ؟ لكنه كان منهما ما يجوز أن تعاتبا به وتدعيا إلى التوبة ؛ لقوله : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ ، [ وإن خفي ذلك علينا ] « 3 » ، ثم إذا عرفنا أن الله - تعالى - جعل عقوبتهن وتأديبهن أشد من العقوبة على غيرهن بقوله : مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [ الأحزاب : 30 ] ، فيجوز أن يندبن إلى التوبة بأدنى زلة حقها التجاوز عن غيرهن . ثم قوله : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما فجائز أن يكون قوله : إِنْ زيادة في الكلام ، وحقه الحذف ، فيكون معناه : توبا إلى الله ؛ فقد صغت قلوبكما ، ويوقف عليه ثم يبدأ بقوله : وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ . وجائز أن يكون حقه الإثبات ، فلا يكون حرف إِنْ زيادة ، ويكون معناه : إن تتوبا
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ . ( 3 ) في أ : وإن تظاهرا علينا .